نخبة من الأكاديميين
750
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
عَكَسَ مشروعُ المسؤولين العلميين المصريين ، بما لا يدعو للشك ، همّهم وسعيهم إلى " تطبيع " المفردات العلميّة ، وبمعنىً آخر ، إلى صياغة لغة علميّة جديدة ، تستطيع أن تنتسب إلى تراثٍ علمي وتقني عريق ، كما تستطيع الدخول بانسجام ، في النسيج اللغوي المحلي . وهذا المشروع ينتسب ، في الحقيقة ، إلى مشروعٍ أكثر شموليّة ، هو مشروع تطبيع حقيقي للعلوم ، سوف يُفتح مصراعه الثاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . وهذا ما سنتطرّق إليه في هذا المقال . عندما أشرف حكم العبّاس على نهايته في العام 1854 ، كانت كل العلوم المدرَّسة في المدارس العليا قد تمتّعت بلغةٍ علميّة دائمة شكّلت قاعدةً صلبة بما يؤهّلها لأن تتكيّف لاحقاً مع التطوّر الطبيعي للمعارف . علاوة على ذلك ، وبفضل النشر الكثيف لمعظم الكتيّبات المترجَمة ، تثبّتت معظم التعابير التي اعتُمِدت خلال تلك الحقبة ، وهي التعابير نفسها المتداوَلة اليوم ، في مصر كما في خارجها . 5 - 2 . تعميم العلوم وتبسيطها بدءاً من حكم الخديوي إسماعيل ، بعد أن ثبتت اللغة العلميّة على قواعد صلبة ، بدا أنّ أنظار الوسط العلمي المصري توجّهت نحو مشروع آخر ، هو تعميم العلوم ( أو " المعارف " بشكل عام ) وتبسيطها . إحدى أهم دعائم هذا التعميم بدون منازع كانت مجلّة " روضة المدارس " ، التي كانت تُوَزَّع دوريّاً على أعيان البلد بهدف نشرها . كانت هذه المجلّة ، من العام 1870 إلى العام 1877 ، تَنْشُر مرّتين في الشهر ، معلوماتٍ عن حياة المدارس المصريّة ومقالاتٍ في مواضيع مختلفة ، منها العلميّة ومنها الأدبيّة . كما كانت تنشر ، على شكل ملاحق ، وفي سلاسل متتالية ، أعمالًا مدرسيّة أو أعمالًا يسهل فهمها ، بقي عددٌ منها غير مكتمل . وقد تناولت هذه المجلّة مواضيع في الطب ، والرياضيّات ، وعلم الفلك وعلم النبات ، كما تناولت مواضيع في الجغرافيا ، وعلم البلاغة ، والفقه أو الأدب « 1 » . وقد تعاون في المجلّة معظم أساتذة المدارس الرسميّة ، وحتى أساتذة الجمعيّات الدينيّة الأجنبيّة ، وبشكل خاصّ أساتذة المدارس العليا ، وكانت إسهامات بعضهم كثيفة . ولكن ، لا بدّ من التنبّه إلى مظاهر أخرى من هذه الحركة في تعميم المعارف . أحد الأمثلة على تلك المظاهر هو الرواية التعليميّة ذات العنوان " علم الدين " التي وضعها علي مبارك « 2 » والتي نُشِرت العام 1882 . في هذه الرواية ، وبطريقة تذكِّر بمؤلَّف " جولةٌ لِولدان في فرنسا " الشهير ، ل - غ . برونو G . Bruno ) « 3 » ، يصف علي مبارك سفر " شيخ " مصري وابنه إلى فرنسا ، بصحبة مستشرق إنكليزي كان دليلًا لهما ، ويعرِض ، في ما يقارب 1500 صفحة ، خواطرَ مطوّلة عن " الحضارة الحديثة " ويقدّم دروساً حقيقيّة في التاريخ ، والجغرافيا ، والفيزياء وفي العلوم الطبيعيّة .
--> ( 1 ) - من أجل لمحة عامّة عن هذه المجلّة ، التي تجاوزت فائدتها الوجه العلمي الذي اقتصرت عليه دراستنا هنا ، أنظر على سبيل المثال حسن والدسوقي ، " روضة المدارس " . ( 2 ) - نشأ علي مبارك ( 1824 - 1893 ) في مصر ثمّ في فرنسا وكان مديراً لمدرسة المهندسين بين 1850 و 1854 . في النصف الثاني من القرن ، لعب دوراً هامّاً في ميدانَيْ الأشغال العامّة والتعليم الرسمي ( شغل منصب وزير عدّة مرّات ) . ( 3 ) " Tour de la France par deux enfants " .